[كولونيا، ألمانيا] يمثل التقاط أشعة الشمس هنا على الأرض، والاحتفاظ بها لتوفيرها عند الطلب، الهدف التالي لوكالة الفضاء والطيران الألمانية بكولونيا في ألمانيا.

ففي مبنى عمره أربع سنوات، مشيَّد من الزجاج والفولاذ بالقرب من مطار كولونيا- بون، يعمل باحثون لدى المركز الألماني لعلوم الطيران DLR -وهو المكافئ الألماني لوكالة ناسا الأمريكية- على تطوير طرق جديدة لإنتاج حرارة أكثر من ضوء الشمس؛ بهدف تقليل انقطاع الكهرباء، الذي يمثل أحد أكبر عيوب الطاقة الشمسية في شبكة الطاقة الكهربائية.

“يتركز اهتمام هذه المنظمة في اختبار أفكار تكون أقرب ما يمكن من الإنتاج”، كما يقول كريستوس أجرافيوتيس، الباحث في الهندسة الكيميائية الشمسية لدى المركز الألماني لعلوم الطيران DLR.

ومع قدرة الطاقة الشمسية العالمية التي تزيد على 200 جيجاواط، تدخل تلك الطاقة مرحلة نضجها التكنولوجي. إلا أن عليها أن تبدأ في تحمل أعبائها الذاتية في شبكة الكهرباء بدلًا من الاعتماد على مصادر الطاقة القديمة؛ لسد النقص في الطاقة الشمسية في الأيام الغائمة، والدخول إلى حيز العمل فور غروب الشمس.

وتخزين الطاقة الشمسية هو أحد سبل جعل الطاقة الشمسية عضوًا منتجًا ومكوِّنًا فعالًا من مكونات شبكة الكهرباء، خاصة وأن مرافق التوليد المختلفة تعمل على استيعاب لوحات كهرضوئية موزعة على أسطحها.

لكن تكنولوجيا البطاريات لتخزين الطاقة لا يزال غير ملائم حتى الآن لتوفير الطاقة الشمسية في جميع الأوقات، سواء من حيث التكلفة أو الأداء، لذا، وللإبقاء على تدفق الإلكترونات، حتى في أوقات اختفاء الشمس، يفتش كثير من الباحثين بشكل متزايد عن طرق أفضل لالتقاط الطاقة الحرارية وتخزينها، وذلك بواسطة محطات مركِّزة لأشعة الشمس، وكذلك أنظمة تخزين مستقلة في الشبكة الكهربائية.

وتتصف محطات الطاقة الشمسية المركزة بارتفاع تكلفة إنتاج الطاقة الكهربائية مقارنة بالخلايا الكهروضوئية، وفقًا لقول توماس باور، رئيس فريق تكنولوجيا العمليات الحرارية في DLR، علاوة على ضجيج الضواغط في حيز العمل.

«وهذه ليست القصة الكاملة؛ لأن لدينا منظومة قابلة للوصل بالشبكة أو الفصل عنها وفقًا للطلب»، يقول باور. «وهذه مسألة لم تُطرَح سياسيًّا».

إن من شأن نظام التخزين الحراري المقترن بمحطة الطاقة الشمسية أن يسهل من المنافسة المباشرة مع مولدات الكهرباء التي تعمل بالفحم والغاز الطبيعي. كما أن من شأنه أيضًا أن يخفف من من وطأة الانقطاع على مرافق التوليد، التي عليها أن تزيد من إنتاجها في الأيام الغائمة، وأن تبيع الكهرباء أحيانًا بأسعار سالبة في الأيام المشمسة والعاصفة.

وأشار باور إلى أن قيمة امتلاك طاقة عند الطلب، في بعض أسواق الطاقة، توضع باستخفاف في المقام الثاني بعد الطاقة الإنتاجية الكلية، وهي مشكلة تحتاج إلى إصلاح لتلك السياسة.

لقد طوَّر المركز الألماني لعلوم الطيران DLR بعض التكنولوجيا التي تقف وراء أول محطة برجية حرارية بالطاقة الشمسية المركزة لتوليد الكهرباء تجاريًّا، وهي المحطة PS10 بقدرة 11 ميجاواط، وتقع بالقرب من إشبيلية المشمسة بإسبانيا، والتي دخلت حيز العمل في عام 2007.

وتستخدم محطات التوليد، مثل محطة PS10، مرايا لتركيز أشعة الشمس على برج مركزي لتوليد حرارة شديدة، وتعمل درجات الحرارة العالية تلك على إنتاج بخار يدير توربينات، أو يسخِّن مادة تستطيع الاحتفاظ بالسخونة إلى حين الحاجة إليها.

ومن تلك المواد الملح المصهور. وتحتفظ محطات الشمسية الحرارية -مثل محطة كرسنت دونز في نيفادا، والتي تبلغ قدرتها 110 ميجاواط- بالملح المصهور في خزانات عملاقة معزولة؛ لتوفير الطاقة حين الحاجة إليها. (جرين واير Greenwire، 29 مارس).

ويقول باور: «يكمن نصف تكلفة المنظومة ]الحرارية الشمسية العادية[ في الملح المصهور. فإذا ادخرنا نصف ذلك الملح، أمكننا تخفيض الإنفاق الرأسمالي بشكل كبير. وهذا هو هدفنا عادة».

ويمكن أيضًا تحويل الطاقة الزائدة، المولدة من الخلايا الكهروضوئية وطاقة الرياح، إلى حرارة قابلة للتخزين، وهذا يوفر بديلًا منخفض التكلفة للبطاريات المستخدمة حاليًّا في الشبكة. “إن أسعار البطاريات أعلى بأكثر من عشرة أضعاف من أسعار التخزين الحراري”، كما يقول باور.

إجراء التجارب على الملح والسيراميكات

لتحقيق هذا الهدف، يُجري الباحثون تجارب على مواد تخزين حراري جديدة، يمكن أن تسخَّن حتى 1000 درجة مئوية، وأن تحتفظ بالحرارة مدةً أطول.

ويُجري الباحثون، في المركز الألماني لعلوم الطيران DLR، تجارب على خلطات ملح جديدة، وقد بنوا مرفق اختبار لمراقبة أدائها، مزود بوسائل تحقُّق، مثل الصمامات وأجهزة الاستشعار والخزانات. ويمكن لهذا العمل المخبري أن يساعد على خفض التسعيرة المعلَنة لمحطات توليد الطاقة الحرارية الشمسية، وفقًا لقول باور.

وثمة نهج آخر يستخدم مواد سيراميكية، تستطيع تحمُّل درجات حرارة أعلى مما تتحمله المعادن، وهي مواد تُستخدَم منذ أكثر من 100 سنة في قطاع صناعة الفولاذ والزجاج لتخزين الحرارة لفترات بين 15 إلى 30 دقيقة. ويعمل الباحثون في المركز الألماني لعلوم الطيران DLR على جعل السيراميك أكثر متانة وديمومة، ويستطيع تخزين الحرارة لفترة أطول.

في بعض أنواع السيراميك العملي، تخضع المادة لتغيُّر كيميائي عند تسخينها، وتطلق حرارة حينما يتم إثارة رد الفعل العكسي، وذلك وفقًا لما أوضحه ستيفان ريه، مدير معهد بحوث المواد في المركز الألماني لعلوم الطيران DLR، وكما يقول: “نستخدم الأكسيد كآلية تخزين كيميائية حرارية”.

ويضيف: “الطريقة الأخرى هي استعمال الهيدروجين باعتباره آلية تخزين. فعند درجات الحرارة العالية، تكون ]المواد السيراميكية[ أكثر ألفة للأكسجين من الماء، وهذا يعني أنه عند تعريضها للبخار، تنتزع الأكسجين من الماء، مخلِّفةً الهيدروجين».

ولجعل السيراميك -الهش عادة- متينًا بقدرٍ كافٍ لتحمل مشاق محطة توليد الكهرباء، يعمل العلماء على تدعيمه بألياف تجعله أقل عرضةً للتلف. لذا تُسحب ألياف أكسيد الألومنيوم من بكرة عبر ملاط من الماء ومسحوق الألومينا، وبعد نسج الألياف بالشكل المطلوب، يجففها الباحثون ويسخنونها في فرن.

لم تظهر ’مزايا الإنتاج الكمي الاقتصادية‘ بعد

تكون النتيجة مادة خفيفة، قاسية، تتحمَّل الحرارة العالية. فباستعمال الصدم الفجائي بمطرقة حادة، يوضح ريه أن صفيحة بيضاء بحجم الصينية من السيراميك المقوى بالألياف يمكن أن تتشوه، لكنها لا تنكسر.

كما يقول: «إنها ليست منيعة من التلف، لكنها لا تتحطم أو تتكسر إلى آلاف القطع».

وفور حفظ الحرارة داخل السيراميك، يمكن للمهندسين استعماله في أغراض عديدة، وليس فقط في غلي الماء، وقد أشار أجرافيوتيس إلى أن التسخين العالي الجودة يُعَد موردًا مهمًّا في كثير من الصناعات؛ إذ يُستخدم في معالجة المواد وتحفيز التفاعلات الكيميائية، التي لا يمكن أن تحدث عند درجات حرارة منخفضة.

“جوهريًّا، ما سوف نفعله هو استغلال الحرارة العالية للشمس في إجراء تفاعلات كيميائية ماصة للحرارة، يصعب إجراؤها في الظروف الطبيعية”، كما ذكر أجرافيوتيس، وهو يقف بجوار حجرة تدفق رقائقي، حيث يوجد سخان أنبوبي أبيض يعمل بالأشعة تحت الحمراء، ويُصدر وهجًا برتقاليًّا مع ارتفاع درجة حرارته إلى 1300 درجة مئوية.

وتشمل هذه التفاعلات تفكيك الماء إلى هيدروجين وأكسجين، وتفكيك ثاني أكسيد الكربون إلى أول أكسيد الكربون وأكسجين.

“إذا استطعت تحقيق ذلك، فإنه يمكنك حينئذٍ الجمع بين أول أكسيد الكربون CO والهيدروجين لإنتاج غاز التصنيع syngas“، يقول أجرافيوتيس، وغاز التصنيع، أو الغاز الاصطناعي، هو مادة أولية لتصنيع الوقود الاصطناعي مثل الميثان والبنزين.

وما زال على محطات توليد الطاقة الحرارية الشمسية أن تنمو قليلًا بغية خفض أسعارها وزيادة مقدرتها التنافسية؛ فهي تنطوي على إمكانات هائلة، وكما يقول أجرافيوتيس: «إن هذه التكنولوجيا أكثر ملاءمة للتطبيقات واسعة النطاق».

“طاقة كبيرة، ومحطات توليد كبرى تبيع طاقتها إلى الشبكة العامة… هنا تُصبح مزايا الإنتاج الكمي الاقتصادية جلية”.

أُعيدت طباعة هذه المقالة بعد نشرها في مجلة كلايميت واير ClimateWire بإذن منEnvironment & Energy Publishing, LLC. www.eenews.net, 202-628-6500