تغيُّر المناخ يدفع الأرض للانحراف

 

ذوبان الجليد وتغيُّر أنماط هطول الأمطار يدفعان القطبين الشمالي والجنوبي إلى التحرك من مكانيهما

14383324_10210572193882223_368788933_n

القطب الشمالي لم يعد مستقرًّا في مكانه، بل بدأ رحلة تغيير موقعه! صحيح أنه يمكن أن يتحرك لمسافة 10أمتار على مدى قرن كامل، وفي بعض الأحيان يعود إلى القرب من مكانه الأصلي، إلا أنه قد انعطف بقوة مؤخرًا باتجاه الشرق. على الأرجح سيكون تغيُّر المناخ هو المذنب في هذه الظاهرة، غير أن العلماء يدرسون ويتناقشون حول مدى تأثير ذوبان الجليد وتغيُّر أنماط هطول الأمطار على انتقال القطب الشمالي من مكانه.

القطبان الجغرافيان -أي الطرفان الشمالي والجنوبي للمحور الذي تدور الأرض حوله– يتزعزعان من مكانيهما بمرور الزمن نتيجة تغيرات طفيفة في جاذبية كل من الشمس والقمر، وربما أيضًا نتيجة الحركة الموجودة في لب الأرض نفسها ودثارها. لكن التغيُّرات التي تحدث على سطح الكوكب يمكن أن تغير هي الأخرى من وضع القطبين؛ إذ إنهما يتذبذبان كل فصل عندما يتغير توزيع الثلوج وهطول الأمطار، وكذلك عبر فترات طويلة من الزمن. فقبل نحو 10 آلاف سنة تقريبًا، على سبيل المثال، أفاقت الأرض من حالة تجمد عميقة، وأخذت الصفائح الجليدية الضخمة التي كانت تغطي ما يُعرف اليوم باسم كندا تذوب. وبتلاشي كتلة الجليد، وارتداد قشرة الأرض التي كانت ترزح تحت ثقل هائل إلى مكانها، تغير توزُّع الكتل على الكوكب وبدأ القطب الشمالي في التحرك غربًا. ويمكن ملاحظة هذا النمط بوضوح في البيانات التي جُمِعت اعتبارًا من عام 1899 فصاعدًا. بيد أن انعطافًا في مسار القطب الشمالي حدث مؤخرًا (مع حركة معاكسة في القطب الجنوبي) يوحي بأن ثمة تغيرًا جديدًا يجري حاليًّا.

في عام 2000 تقريبًا، انعطف القطب الشمالي شرقًا؛ إذ توقف عن التحرك باتجاه خليج هدسون في كندا، وبدأ يتحرك على امتداد خط جرينتش باتجاه لندن. وفي عام 2013، كان جيانلي تشين -وهو عالم جيوفيزياء في جامعة تكساس في أوستن- أول شخص يعزو هذا التغيُّر المفاجئ إلى تسارع ذوبان صفيحة جرينلاند الجليدية. وكانت نتائج بحثه قد أذهلت فريقه؛ إذ يعلق جون ريس -زميل تشين بجامعة تكساس في أوستن- قائلًا: “إذا كنا نخسر كتلة كافية لتغيير توجه الأرض، فهذا يعني أننا نخسر كتلة هائلة الحجم”. وقد توصل الفريق إلى أن تسارع وتيرة ذوبان الجليد مؤخرًا -وما صاحبه من ارتفاع منسوب مياه البحر- مسؤول عن أكثر من 90% من التغيُّرات القطبية الأخيرة. وبالطبع فإن ذلك يشمل الجليد المفقود في مختلف أنحاء العالم، ولكن ريس يوضح أن “جرينلاند لها نصيب الأسد من الكتلة المفقودة، وهذا ما يجعل طبيعة القطب تتغير”.

ولكن أيمكن أن يحدث هذا التحول الكبير بهذه السهولة؟ في دراسة جديدة نُشِرَت في دورية “ساينس أدفانسز” Science Advances، يرى سوريندرا أديكاري وإريك أيفنز -وهما عالما جيوفيزياء من مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا- أنه قد توجد آلية أخرى لها دور في ما يحدث: التغيُّرات في كمية المياه المختزنة في القارات. وكما فعل فريق تشين، فقد قام أديكاري وأيفنز بمقارنة بيانات القمر الصناعي لتغطية حقل الجاذبية واختبار المناخ (GRACE) التابع لوكالة ناسا -والذي يقيس التغيُّرات في حقل جاذبية الأرض– مع قياسات نظام تحديد المواقع العالمي للقطبين الشمالي والجنوبي. لكن كان لدى أديكاري وأيفنز بيانات بضع سنوات إضافية، كما أنهما ضمَّنا بعض الخصائص المحدودة في بيانات القمر الصناعي، مرتبطةً بصورة مباشرة أكثر بالتخزين الأرضي للمياه.

ويشير أيفنز إلى أنه على الرغم من أنه قد تبين أن ذوبان جليد جرينلاند هو السبب الأرجح والأبرز للتغيُّر القطبي، فإن فترة جفاف اجتاحت منطقة أوراسيا مؤخرًا تُسْهم كذلك في دفع القطب باتجاه الشرق. فإنه مع تناقُص معدل سقوط الأمطار التي تتلقاها أية قارة عبر فترة من الزمن، تتناقص كتلتها. ويعتقد كل من أديكاري وأيفنز أن هذا التغيُّر المفاجئ قد يكون الأحدث في سلسلة من التغيُّرات التي حدثت على مدار عقود والتي عجز العلماء عن تفسيرها. ومنطقة أوراسيا، والتي كانت تطغى عليها المساحات الخضراء قبل 10سنوات، ليست الكتلة القارية الوحيدة التي شهدت جفافًا؛ إذ يقول أيفنز: “إننا نعتقد أن هذا التحول يحدث طوال الوقت. فهو ظاهرة طبيعية تميِّز كامل السلسلة الزمنية لدوران الأرض منذ وقت طويل يعود إلى عام1899“.

ولا توضح البيانات ما إذا كان البشر هم السبب في التغيُّرات المناخية الأخيرة، لكن تشين يعتقد من منظوره الشخصي أن التغيُّر الجذري في القطب الشمالي نتج عن الأنشطة البشرية. في حين يرى أيفنز أنه سيتمكن من أن يستشف التغيُّرات المناخية الناتجة عن الأنشطة البشرية من البيانات المتوفرة خلال ستة أشهر أو نحو ذلك. ونظرًا لأن حركة القطبين والتباين المناخي يبدوان مترابطين بصورة معقدة، فبإمكان العلماء دراسة السجلات التاريخية لحركة القطبين (والتي يعود تاريخها إلى زمن يسبق ظهور نظام تحديد الموقع العالمي والقمر الصناعي التابع لوكالة ناسا بمدة طويلة) ورؤية التغيرات في مناخ الأرض. ويقول أيفنز إنه في حال كانت تلك التغيرات أقل حدة مما نراه اليوم، فحينها يمكن للعلماء القول بأن الاحترار العالمي له تأثير قوي على قطبي الأرض.

http://www.scientificamerican.com/arabic/articles/news/earth-is-tipping-because-of-climate-change1/

Share Button

شاهد أيضاً

‏فيديو‬ عن مواجهة ‫‏المستقبل‬ في عالم غزير ‫الأمطار‬ وشديد ‫‏الحرارة‬ و‏الجفاف‬

    إحتفالاً باليوم العالمى للأرصاد الجوية     http://www.wmo.int/WMD_Materials/Curtain-raiserWMD016-AR.mp4?utm_content=buffera7385&utm_medium=social&utm_source=twitter.com&utm_campaign=buffer      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *